روبورطاج: الوقاية المدنية.. مهنة المخاطر
كتبهاميلود الشلح ، في 26 يناير 2009 الساعة: 21:35 م

خلف ساحة «نافورة الحمام»، وبمحاذاة مقر المحكمة الابتدائية المتاخمة لمقر ولاية الدار البيضاء الكبرى، توجد ثكنة «بوجي» التابعة للقيادة الجهوية للوقاية المدنية للعاصمة الاقتصادية للمملكة.
بداخل الثكنة يوجد عناصر الوقاية المدنية في حالة تأهب دائم على مدار الأربع وعشرين ساعة. بمجرد أن يرنّ جرس الإنذار ينزلق عناصر الفريق المداوم الواحد تلو الآخر من الطابق العلوي مستعينين بعمود حديدي، وما إن تطأ أقدامهم الأرض حتى ينطّوا داخل شاحنات إطفاء أو سيارة إسعاف ويتجهون بسرعة نحو هدفهم للعمل في تدخل جديد.
يبدأ البرنامج اليومي في الثكنة على الساعة الثامنة صباحا ويتم تبادل الفرق المداومة ظهر كل يوم.
يقوم الضابط المداوم بتوزيع الأدوار على ضباط الصف، ثم يشرع في قراءة البرنامج اليومي على مسامعهم، ليعرف كل واحد منهم دوره خلال فترة مداومته.
«عناصر الوقاية المدنية ليس لديهم وقت فراغ أثناء المداومة»، يقول مسؤول بالثكنة، موضحا أن الفريق المداوم يستغل أوقات «فراغه» إما في ممارسة الرياضة أو في تلقي دروس نظرية وتطبيقية بالمركز في انتظار العمل، يقصد التدخل. لكن هذا لا يعني أن العناصر ممنوعة من أخذ الراحة بعد كل تدخل، خاصة خلال الليل، بل يشير المصدر السابق إلى أنه «يلزم على عناصر الفريق أخذ ما يلزم من الراحة والنوم وتجنب السهر حتى يستطيعوا العمل في ظروف نفسية وجسدية ملائمة».
في الطابق العلوي توجد غرف مخصصة للضباط وأخرى مشتركة بين ضباط الصف حيث يستلقون ببذلاتهم وأحذيتهم ليل نهار في انتظار رنين جرس الإنذار. «لا ينبغي لنا التأخر عند سماع الجرس، لذلك ننام ببذلاتنا وأحذيتنا وبأعين مفتوحة»، يقول ضابط صف بهذه الثكنة قبل أن يضيف أن هناك قانونا داخليا يعاقب كل من يتأخر عن اللحاق بالفريق بعد رنين جرس الإنذار.
ثكنة «بوجي» هي نفسها مقر القيادة الجهوية للوقاية المدنية بالدار البيضاء، بالإضافة إلى ذلك فهي تضم أيضا مركزا لمعالجة البلاغات، مهمته استقبال اتصالات المواطنين على الخط المجاني 15 من جميع مناطق جهة الدار البيضاء الكبرى، ليتم توزيع البلاغات التي تستدعي التدخل على مختلف مراكز الوقاية المدنية بالبيضاء حسب قربها من مكان كل حادث.
«الوقاية المدنية في خدمتكم.. آلو..»، بهذه اللازمة يردّ عنصران من الوقاية المدنية على مكالمات المواطنين الواردة على الخط المجاني، بشكل متواصل، إلى درجة أن كليهما لم تفارق سماعة الهاتف أذنه -خلال تواجدنا بالمركز- إلا بعد تجاوز الساعة الثالثة صباحا، حيث خفت كثافة المكالمات الواردة على الخط.
وإلى غاية الساعة الرابعة صباحا، عاينا خلال تواجدنا بغرفة معالجة البلاغات عددا من حالات الإزعاج والتحرش بمستقبلي البلاغات، حيث كانت أغلب المكالمات من طرف أطفال يعبثون بالهواتف، ونساء وفتيات يعرضن أنفسهن على محاورهن بشكل داعر.. وأشخاص سكارى ومساجين ونزلاء مستشفيات وحراس ليليون ينشدون التسلية عن طريق الحديث في أي موضوع…
وقال أحد عناصر الوقاية المدنية المكلفين باستقبال وتوزيع البلاغات بهذا المركز: «إننا مطالبون بتحمل تحرشات القاصرين والفتيات وسماع عبارات بذيئة من مواطنين غرضهم الإزعاج فقط، ولا نرد على سبابهم وشتمهم لنا إلا بقطع الخطوط في وجوههم».
وأضاف أنه «لا ينبغي لنا تجاهل هذه المكالمات مهما كانت مزعجة، فقد يكون ضمن المتصلين صاحب بلاغ صحيح»، أي في حاجة إلى تدخل من أجل إنقاذه.
وأضاف أن الفترة الممتدة من العاشرة صباحا حتى العاشرة ليلا تشكل «فترة الذروة» بالنسبة إلى المتصلين بالمركز بغرض اللهو، خاصة من طرف التلاميذ والتلميذات الذين يتصل بعضهم من داخل الأقسام وأثناء فترات الاستراحة، مشيرا إلى أن كثافة المكالمات الواردة تنخفض أثناء العطل المدرسية والأعياد الوطنية والدينية.
وأوضح نفس المتحدث أنه يتلقى مكالمات عابثة من طرف أشخاص من مختلف الأجناس والفئات العمرية، بعضهم قد يكون في كامل قواه العقلية والبعض الآخر تحت تأثير مخدر أو مسكر، كلهم يحاولون التبليغ عن حادث وهمي أو حريق بهدف اللهو وتمضية الوقت فقط، «لكننا نستطيع من خلال الخبرة والتجارب، تمييز البلاغات الصحيحة من الكاذبة فقط من خلال حديث كل متصل بنا لطلب خدماتنا».
مسؤول بالقيادة الجهوية للوقاية المدنية لجهة الدار البيضاء الكبرى، أكد لنا أن «مركز معالجة البلاغات» الكائن بثكنة «بوجي» يستقبل يوميا 12 ألف مكالمة، أي بمعدل حوالي 8 مكالمات في الدقيقة.
غير أن نفس المسؤول أضاف أن نسبة 90% من هذه المكالمات تكون مجرد بلاغات كاذبة، أي 10800 بلاغ كاذب، ولا يتم التدخل إلا في 10% من البلاغات التي يتوصل بها المركز على صعيد جهة الدار البيضاء الكبرى.
وناشد المسؤول ذاته المؤسسات التعليمية والتربوية وكذا الآباء وأرباب الأسر توعية أبنائهم بعدم إزعاج رجال المطافئ عن طريق إشغال الخط 15 بلا غرض، مشددا على أن هذا المركز أُحدث لخدمة المواطن وليس من أجل العبث، «حيث إن كل اتصال عابث يمكن أن يتسبب في تأخير «التقاط» بلاغ صحيح قد يأتي من طرف شخص في حاجة إلى إنقاذ، وبالتالي ستتأخر عناصر الوقاية المدنية في الوصول إليه في الوقت المناسب».. وأضاف أنه «كلما جاءنا البلاغ مبكرا عند وقوع حادث يستدعي تدخلنا، فإن ذلك يساهم بشكل كبير في وصول الفريق إلى موقع الحادث في وقت وجيز».
ويشكل مركز استقبال بلاغات المواطنين بداية أول تدخل لعناصر الوقاية المدنية، حيث يعد مصدرا لهم يتوصلون من خلاله بالمعطيات الضرورية قبل أي تدخل عن طريق طرح هذين السؤالين المهمين على المتصل: ماذا وقع وأين؟
كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة وخمس وأربعين دقيقة ليلا، وردت على مركز معالجة البلاغات مكالمة تفيد بأن شخصا تعرض للضرب بشارع الحسن الثاني.
وبمجرد ما أقفل الاتصال، ضغط متلقي المكالمة على زر الجرس ثلاث مرات فأصدر صوتا مسموعا «طيط.. طييييط.. طيط»، وبعد هنيهة قصيرة سمع صوت انزلاق عنصرين عبر العمود الحديدي وتوجها صوب سيارة إسعاف، فيما حضر الضابط المداوم إلى غرفة البلاغات ليأخذ المعلومات عن الحادث ومكانه.
انطلقت سيارة الإسعاف بسرعة مشغلة «الزواكا» لحث الآخرين على إفساح الطريق.. وبعد أقل من 5 دقائق وصلنا إلى عين المكان: زاوية التقاء شارعي الحسن الثاني ومولاي يوسف. كان هناك رجل ملقى وسط الطريق وقد اختلطت الدماء التي نزفت من رأسه بسيول الأمطار الغزيرة التي هطلت تلك الليلة.
بسرعة فتح السائق ومساعده الباب الخلفي لسيارة الإسعاف واستلاّ منها سريرا متحركا نقلا عليه الرجل الملقى وسط الوحل وبرك مياه الأمطار وأدخلاه إلى سيارة الإسعاف التي انطلقت بنفس السرعة التي أتت بها، باتجاه أقرب مستشفى.
في الطريق إلى مستشفى ابن رشد، حاول المسعف استفسار الجريح الذي كان يرتعش من شدة البرد، عن حالته الصحية، لكنه لم ينطق بكلمة، وكانت رائحة الخمر التي تفوح منه بقوة بمثابة الدليل القاطع على أنه «خارج التغطية.»
بعد إدخاله إلى قسم المستعجلات بمستشفى ابن رشد، قام أحد المسعفين الثلاثة بملء ورقة بمعلومات تخص الشخص الذي تم نقله والمكان الذي تم إحضاره منه، لكن وبما أن المعني كان في حالة شبه غيبوبة فقد تعذر على المسعف معرفة اسمه وعنوانه، فاكتفى بتدوين اسمه هكذا «إكس بن إكس» وقدر عمره بـ45 سنة.
في طريق عودة سيارة الإسعاف من مستشفى ابن رشد باتجاه الثكنة، وعلى الساعة الحادية عشرة بالضبط، توصل الضابط المداوم عن طريق اللاسلكي ببلاغ من مركز استقبال البلاغات يفيد بأن شقة بشارع موسى بن نصير تحترق، وعلى الفور زاد السائق من سرعته وانحرف باتجاه العنوان المطلوب.
وعندما وصلت السيارة إلي الشارع المشار إليه، لم يكن ضروريا السؤال عن عنوان الشقة لأننا وجدنا شاحنة الإطفاء قد سبقتنا إلى المكان، وكان هناك عند باب العمارة جمع غفير من الناس لم يمنعهم البرد والمطر من الخروج من منازلهم لمعرفة ماذا وقع، وكان أكثرهم من النساء حيث خرجن من بيوتهن المجاورة مذعورات بعد سماعهن لاستغاثة أصحاب الشقة التي اندلعت فيها النيران.
في ذات الوقت، وبأمر من الضابط رئيس الفرقة، اندفع رجلا إطفاء بسرعة وصعدا عبر سلم العمارة باتجاه مصدر الدخان في الطابق الخامس، وكان أحدهما يتأبط حبلا ملفوفا.
لاحظنا أنهما لم يستعملا المصعد رغم أنه كان جاهزا. وعند استفسارنا عن ذلك أخبرنا أحد الإطفائيين بأنه يمنع عليهم استعمال المصعد، والسبب هو احتمال توقف المصعد في أية لحظة، وبالتالي فإن وصول عنصر الوقاية المدنية عن طريق السلالم، ولو كان موقع الحادث في الطابق المائة مثلا، خير من عدم الوصول إليه عند استخدام المصعد. وفي تلك الأثناء كان فريق الإطفاء منشغلا بإعداد خرطوم المياه الذي سيتم ربطه بواسطة طرف الحبل بعد أن يرمي به الإطفائيان من إحدى نوافذ الشقة المعلومة.
أما فريق الإسعاف، ففي هذه الأثناء كان يحاول إقناع أبوي البنت المصابة بضرورة نقلها إلى المستشفى من أجل تلقي العلاج اللازم، لكنهما رفضا السماح لرجال الوقاية المدنية بنقلها بدعوى خوفهما من تأزم حالة ابنتهما المصابة بمرض عقلي، وقالا بفرنسية سريعة مختلطة بعربية ثقيلة إنهما سيتكفلان بنقل ابنتهما بنفسهما. ولم تفلح أيضا مساعي رجال الشرطة -الذين تقاطروا على عين المكان- في إقناع الأبوين بضرورة إسعاف ابنتهم فورا، ولم يتم ذلك إلا بمجيء الأخ الأكبر، بعد ربع ساعة من مهاتفته من طرف والده، حيث قام بأخذ أخته على متن سيارته.
بعد نصف ساعة كان الإطفائيون قد تمكنوا من إخماد النيران التي ألحقت بالشقة خسائر مادية وصفت بالفادحة. وقد عاينا عند دخولنا إليها أن ألوان سقفها وجدرانها المزركشة بزخارف الجبس استحالت إلى سواد مظلم بسبب الأدخنة الكثيفة التي ملأت جنبات الشقة.
وقال لنا أحد الإطفائيين اللذين خاطرا بحياتهما ودخلا الشقة الملتهبة، إن أول ما قام به هو قطع التيار الكهربائي عن الشقة، ثم طاف بعد فتح الباب بجوانب الشقة بحثا عن وجود ضحايا يمكن إنقاذهم، ولما لم يجد باشر اكتشاف مصدر الحريق وهو يزحف على بطنه متحديا ألسنة اللهب والدخان الكثيف الذي يملأ المكان، في حين توجه الإطفائي الثاني إلى إلقاء طرف الحبل من النافذة المطلة على الشارع حيث تقف شاحنة الإطفاء، ليلتقطه زملاؤه بسرعة ويربطوه بطرف الخرطوم ليتم سحبه نحو الأعلى في انتظار صعود بقية العناصر من أجل دعمهما في إخماد ألسنة النيران الملتهبة.
بعد حوالي ساعة من الزمن، كان الإطفائيون مازالوا يرابطون بنفس الشقة رغم إخمادهم للنيران. إنهم يفعلون ذلك تحسبا لأي طارئ قد يحدث، مثل اندلاع النيران من جديد أو سقوط سقف الغرفة أو حدوث أي شيء.. ولا ينصرفون إلا بعد أن يتأكدوا من أن الأمور على ما يرام.
بالنسبة إلى رجال المطافئ فإن المياه تعد بمثابة السلاح والعتاد الضروري واللازم في كل تدخل لإطفاء الحرائق. من أجل ذلك تتوفر القيادة الجهوية للوقاية المدنية بالدار البيضاء على شاحنات صهريج مختلفة الأحجام، بعضها تتسع لثلاثة أطنان من المياه، والبعض الآخر تتسع لستة أطنان، فيما تسع شاحنات أخرى أحد عشر طنا من المياه.
لكن، وفي بعض الحالات، فإن هذه الأطنان من المياه يتم إفراغها في ظرف وجيز جدا أثناء إخماد الحرائق، لأن هناك خراطيم مياه ضخمة تضخ ألف لتر في الدقيقة أو أكثر، حسب مسؤول بالوقاية المدنية، الذي يضيف أن هذه المياه تتم تعبئتها بصهاريج شاحنات الإطفاء بواسطة أنابيب مياه تدعى «فوهات الحريق»، وهي موزعة على نقط مختلفة بالمدينة وتسهر على صيانتها ولاية الدار البيضاء الكبرى. ويشير نفس المصدر إلى أن أي شاحنة إطفاء يمنع عليها دخول الثكنة إثر كل تدخل لها، قبل أن تملأ صهريج المياه عن طريق فوهة الحريق، حتى تكون على أهبة الاستعداد لتدخل جديد.
تفيد إحصائيات القيادة الجهوية للوقاية المدنية، بأن عناصر هذه الأخيرة، البالغ عددها 500 عنصر بمختلف ثكنات الدار البيضاء، قامت خلال العام 2008 بـ61386 تدخلا، بينها 2029 تدخلا تم من أجل إطفاء حريق. فيما تمكن رجال المطافئ سنة 2007 من إطفاء 2276 حريقا مقابل 1659 سجلت سنة 2006.
ويبلغ معدل سرعة التدخلات بعد تلقي البلاغات للوصول إلى أماكن الحوادث والحرائق، 25 دقيقة. وفي الدار البيضاء، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 3.5 ملايين نسمة وتقدر مساحتها بـ1032 كيلومترا مربعا، يوجد رجل إطفاء واحد لكل 7250 نسمة وهناك سيارة إسعاف لكل 144730 نسمة.
لكن يبدو أن التجهيزات الموضوعة رهن إشارة عناصر الوقاية المدنية لا تفي بالغرض في العاصمة الاقتصادية، فرغم أن هناك 131 سيارة ضمنها 64 وسيلة للتدخل من شاحنات لإطفاء الحريق و25 سيارة إسعاف، فإن كل شاحنة تدخّل تغطي من مساحة الدار البيضاء 45 كيلومترا مربعا، وهي مساحة كبيرة تستدعي إضافة المزيد من الوسائل اللوجستيكية من أجل تقليصها، مثلما يقتضي الأمر أيضا المزيد من الموارد البشرية من ضباط وضباط الصف بهذا القطاع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 27th, 2009 at 27 يناير 2009 11:39 م
هل يمكنك مساعدتي من فضلك مع البحث عن طريق اتخاذ الاستبيان
الاستبيان ستكون متاحة حتى 16 فبراير
المسح الجديد متاح على الوصلة التالية
http://www.surveygizmo.com/s/91515/blogoma-research
فإنه لا ينبغي لك أن تأخذ أكثر من 15 دقيقة. أعتذر أن اللغة العربية هي خشنة بعض الشيء ،
مارس 28th, 2009 at 28 مارس 2009 4:19 م
bougataya
abd errahim
chariae molaye abd laaezize
n 46
koubireta
laayoun
يونيو 28th, 2009 at 28 يونيو 2009 8:47 م
mahowa ra9mo lwikay lmadaniya biljadida???